فصل: تفسير الآية رقم (129):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: لباب التأويل في معاني التنزيل المشهور بـ «تفسير الخازن» (نسخة منقحة).



.تفسير الآيات (126- 128):

{أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (127) لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)}
قوله سبحانه وتعالى: {أولا يرون} قرئ ترون بالتاء على خطاب المؤمنين وقرئ بالياء على أنه خبر عن المنافقين المذكورين في قوله في قلوبهم مرض {أنهم يفتنون} يعني يبتلون {في كل عام مرة أو مرتين} يعني بالأمراض والشدائد. وقيل: بالقحط والجدب. وقيل: بالغزو والجهاد. وقيل: إنهم يفتضحون بإظهار نفاقهم. وقيل: إنهم ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون. وقيل إنهم ينقضون عهدهم في السنة مرة أو مرتين {ثم لا يتوبون} يعني من النفاق ونقض العهد ولا يرجعون إلى الله {ولا هم يذكرون} يعني ولا يتعظون بما يرون من صدق وعد الله بالنصر والظفر للمسلمين {وإذا ما أنزلت سورة} يعني فيها عيب المنافين وتوبيخهم {نظر بعضهم إلى بعض} يريدون بذلك الهرب يقول بعضهم لبعض إشارة {هل يراكم من أحد} يعني هل أحد من المؤمنين يراكم إن قمتم من مجلسكم فإن لم يرهم أحد خرجوا من المسجد وإن علموا أن أحداً يراهم من المؤمنين أقاموا ولبثوا على تلك الحال {ثم انصرفوا} يعني عن الإيمان بتلك السورة النازلة. وقيل: انصرفوا عن مواضعهم التي يسمعون فيها ما يكرهون {صرف الله قلوبهم} يعني عن الإيمان. وقال الزجاج: أضلهم الله مجازاة لهم على فعلهم {بأنهم قوم لا يفقهون} يعني لا يفقهون عن الله دينه ولا شيئاً فيه نفعهم.
قوله سبحانه وتعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} هذا خطاب للعرب يعني: لقد جاءكم أيها العرب رسول من أنفسكم تعرفون نسبه وحسبه وأنه من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام قال ابن عباس ليس قبيلة من العرب إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم وله فيهم نسب وقال جعفر بن محمد الصادق: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية. عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح» هكذا ذكره الطبري وذكر البغوي بإسناد الثعلبي. عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية شيء ما ولدني إلا نكاح كنكاح أهل الإسلام» قال قتادة: جعله الله من أنفسكم فلا يحسدونه على ما أعطاه الله من النبوة والكرامة. قال بعض العلماء في تفسير قول ابن عباس: ليس قبيلة من العرب إلا وقد ولدت النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: من مضرها وربيعتها ويمانها فأما ربيعة ومضر فهم من ولد معد بن عدنان وإليه تنسب قريش وهو منهم وأما نسبه إلى عرب اليمين وهم القحاطنة فإن آمنة لها نسب في الأنصار وإن كانت من قريش والأنصار أصلهم من عرب اليمن من ولد قحطان بن سبأ فعلى هذا القول يكون المقصود من قوله: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم}.
ترغيب العرب في نصره والإيمان به فإنه تم شرفهم بشرفه وعزتهم بعزته وفخرهم بفخره وهو من عشيرتهم يعرفونه بالصدق والأمانة والصيانة والعفاف وطهارة النسب والأخلاق الحميدة. وقرأ ابن عباس والزهري: من أنفسكم بفتح الفاء. ومعناه: أنه من أشرافكم وأفضلكم.
(خ) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرنا حتى كنت من القرن الي كنت منه».
(م) عن واثلة بن الأسقع قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هشام واصطفاني من بني هاشم» عن العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قلت يا رسول الله إن قريشاً جلسوا يتذاكرون أحسابهم بينهم فقالوا مثلك كمثل نخلة في كدية من الأرض فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله خلق الخلق فجعلني من خير فريقهم وخير الفريقين ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً» أخرجه الترمذي. وقيل إن قوله سبحانه وتعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} عام فحمله على العموم أولى فيكون المعنى على هذا القول لقد جاءكم أيها الناس رسول من أنفسكم يعني من جنسكم بشر مثلكم إذ لو كان من الملائكة لضعفت قوى البشر عن سماع كلامه والأخذ عنه.
قوله سبحانه وتعالى: {عزيز عليه ما عنتم} أي شديد عليه عنتكم يعني مكروهكم. وقيل: يشق عليه ضلالكم {حريص عليكم} حريص على إيمانكم وإيصال الخير إليكم وقال قتادة: حريص على هدايتكم وأن يهديكم الله {بالمؤمنين رؤوف رحيم} يعني أنه صلى الله عليه وسلم رؤوف بالمطيعين رحيم بالمذنبين.
(ق) عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب والعاقب الذي ليس بعده نبي» وقد سماه الله رؤوفاً رحيماً. قال الحسن بن الفضل: لم يجمع الله سبحانه وتعالى لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلا النبي صلى الله عليه وسلم فسماه رؤوفاً رحيماً قال سبحانه وتعالى: {إن الله بالناس لرؤوف رحيم}.

.تفسير الآية رقم (129):

{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)}
قوله سبحانه وتعالى: {فإن تولوا} يعني فإن أعرض هؤلاء الكفار والمنافقون عن الإيمان بالله ورسوله وناصبوك للحرب {فقل حسبي الله} يعني يكفيني الله وينصرني عليكم {لا إله إلا هو عليه توكلت} يعني لا على غيره وبه وثقت {وهو رب العرش العظيم} إنما خص سبحانه وتعالى العرش بالذكر لأنه أعظم المخلوقات فيدخل ما دونه في الذكر فيكون المعنى فهو رب العرش العظيم فما دونه أو يكون خصه بالذكر تشريفاً له كما يقال بيت الله، وروي عن أبي بن كعب أنه قال: هاتان الآيتان لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخر السورة آخر القرآن نزلا وفي رواية عنه أنه قال: أحدث القرآن عهداً بالله هاتان الآيتان لقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخر الآيتين والله سبحانه وتعالى أعلم.

.سورة يونس:

.تفسير الآية رقم (1):

{الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1)}
قوله عز وجل: {الر} قال ابن عباس والضحاك معناه أنا الله أرى وقال ابن عباس في رواية أخرى: عنه الر وحم ون حروف الرحمن مقطعة وبه قال سعيد بن جبير وسالم بن عبد الله وقال قتادة: الر اسم من أسماء القرآن وقيل هي اسم للسورة وقد تقدم الكلام في معنى الحروف المقطعة في أول سورة البقرة بما فيه كفاية {تلك آيات الكتاب} المراد في لفظ تلك الإشارة إلى الآيات الموجودة في هذه السورة ويكون التقدير تلك الآيات هي آيات الكتاب وهو القرآن الذي أنزله الله إليك يا محمد وذلك أن الله عز وجل وعده أن ينزل عليه كتاباً لا يمحوه الماء ولا تغيره الدهور. وقيل: إن لفظة تلك للإشارة إلى ما تقدم هذه السورة من آيات القرآن. والمعنى: أن تلك الآيات هي آيات الكتاب الحكيم، وفيه قول آخر أن المراد بآيات الكتاب الكتب التي قبل القرآن حكاه الطبري عن قتادة. وروي عن مجاهد أنها التوراة والإنجيل فعلى هذا القول يكون التقدير أن الآيات المذكورة في هذه السورة هي الآيات المذكورة في التوراة أو الإنجيل والمراد من الآيات القصص المذكورة في هذه السورة وهذا وإن كان له وجه فهو ضعيف لأن التوراة والإنجيل لم يجر لهما ذكر قريب حتى يشار إليهما قيل: إن المراد من الآيات حروف الهجاء التي منها الر سميت آيات لأنها افتتاح السور وسر القرآن {الحكيم} يعني المحكم الحلال والحرام والحدود والأحكام. فعيل: بمعنى مفعول. وقيل: الحكيم بمعنى الحاكم فعيل بمعنى فاعل لأن القرآن حاكم يميز بين الحق والباطل ويفصل الحلال من الحرام. وقيل: حكيم بمعنى المحكوم فيه فيعمل بمعنى مفعول. قال الحسن: حكم فيه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى. وقيل: إن الحكيم هو الذي يفعل الحكمة والصواب فمن حيث إنه يدل على الأحكام صار كأنه هو الحكيم في نفسه.

.تفسير الآيات (2- 4):

{أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (2) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4)}
قوله سبحانه وتعالى: {أكان للناس عجباً} قال ابن عباس: سبب نزول هذه الآية أن الله عز وجل لما بعث محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً أنكرت العرب ذلك ومن أنكر منهم قال: الله أعظم من أن يكون له رسول بشر مثل محمد فقال الله سبحانه وتعالى: {أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم} وقال سبحانه وتعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً} الآية والهمزة في أكان همزة استفهام ومعناه الإنكار والتوبيخ والمعنى لا يكون ذلك عجباً {أن أوحينا إلى رجل منهم} والعجب حالة تعتري الإنسان من رؤية شيء على خلاف العادة. وقيل: العجب حالة تعتري الإنسان عند الجهل بسبب الشيء ولهذا قال بعض الحكماء: العجب ما لا يعرف سببه والمراد بالناس هنا أهل مكة وبالرجل محمد صلى الله عليه وسلم منهم يعني من أهل مكة من قريش يعرفون نسبه وصدقه وأمانته {أن أنذر الناس} يعني خوفهم بعقاب الله تعالى إن أصروا على الكفر والمخالفة والإنذار إخبار مع تخويف كما أن البشارة إخبار مع سرور وهو قوله سبحانه وتعالى: {وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم} اختلفت عبارات المفسرين وأهل اللغة في معنى قدم صدق. فقال ابن عباس: أجراً حسناً بما قدموا من أعمالم. وقال الضحاك: ثواب صدق. وقال مجاهد: الأعمال الصالحة صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم. وقال الحسن: عمل صالح أسلفوه يقدمون عليه. وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه قال: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول يعني في اللوح المحفوظ. وقال زيد بن اسلم: هو شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم وهو قول قتادة. وقيل: لهم منزلة رفيعة عند ربهم وأضيف القدم إلى الصدق وهو نعته كقوله مسجد الجامع وصلاة الأولى وحب الحصيد والفائدة في هذه الإضافة التنبيه على زيادة الفضل ومدح القدم لأن كل شيء أضيف إلى الصدق فهو ممدوح ومثله في مقعد صدق، وقال أبو عبيدة: كل سابق في خير أو شر فهو عند العرب قدم. يقال: لفلان قدم في الإسلام وقدم في الخير ولفلان عندي قدم صدق وقدم سوء. قال حسان بن ثابت:
لنا القدم العليا إليك وخلفنا ** لأولنا في طاعة الله تابع

وقال الليث وأبو الهيثم القدم السابق والمعنى أنه قد سبق لهم عند الله خير قال ذو الرمة:
وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابة ** لهم قدم معروفة ومفاخر

والسبب في إطلاق لفظ القدم على هذه المعاني أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم فسمى المسبب باسم السبب كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد. وقال ذو الرمة:
لكم قدم لا ينكر الناس أنها ** مع الحسب العادي طمت على البحر

معناه لكم سابقة عظيمة لا ينكرها الناس وقال آخر.
صل لذي العرش واتخذ قدماً ** تنجيك يوم العثار والزلل

وقوله سبحانه وتعالى: {قال الكافرون إن هذا لساحر مبين} وقرئ: {لساحر مبين} وفيه حذف تقديره أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم فلما جاءهم بالوحي وأنذرهم قال الكافرون: إن هذا لساحر، يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم، وإنما نسبوه إلى السحر لما أتاهم بالمعجزات الباهرات التي لا يقدر أحد من البشر أن يحصل مثلها، ومن قرأ السحر فإنهم عنوا به القرآن المنزل عليه وإنما نسبوه إلى السحر لأن فيه الإخبار بالبعث والنشور وكانوا ينكرون ذلك.
قوله عز وجل: {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش} تقدم تفسير هذا في سورة الأعراف بما فيه كفاية.
وقوله سبحانه وتعالى: {يدبر الأمر} قال مجاهد: يقضيه وحده. وقيل: معنى التدبير، تنزيل الأمور في مراتبها وعلى أحكام عواقبها. وقيل: إنه سبحانه وتعالى يقضي ويقدر على حسب مقتضى الحكمة وهو النظر في أدبار الأمور وعواقبها لئلا يدخل في الوجود ما لا ينبغي. وقيل: معناه إنه سبحانه وتعالى يدبر أحوال الخلق وأحوال ملكوت السموات والأرض فلا يحدث حدث في العالم العلوي ولا في العالم السفلي إلا بإرادته وتدبيره وقضائه وحكمته {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} يعني: لا يشفع عنده شافع يوم القيامة إلا من بعد أن يأذن له في الشفاعة لأنه عالم بمصالح عباده وبموضع الصواب والحكمة في تدبيرهم فلا يجوز لأحد أن يسأله ما ليس له به علم فإذا أذن له في الشفاعة كان له أن يشفع فيمن يأذن له فيه وفيه رد على كفار قريش في قولهم: إن الأصنام تشفع لهم عند الله يوم القيامة فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه لأن له التصرف المطلق في جميع العالم {ذلكم الله ربكم} يعني الذي خلق هذه الأشياء ودبرها هو ربكم وسيدكم لا رب لكم سواه {فاعبد وه} أي فاجعلوا عبادتكم له لا لغيره لأنه المستحق للعبادة بما أنعم عليكم من النعم العظيمة {أفلا تذكرون} يعني أفلا تتعظون وتعتبرون بهذه الدلائل والآيات التي تدل على وحدانيته سبحانه وتعالى: {إليه مرجعكم جميعاً} يعني إلى ربكم الذي خلق جميع المخلوقات مصيركم جميعاً أيها الناس يوم القيامة والمرجع بمعنى الرجوع {وعد الله حقاً} يعني وعدكم الله ذلك وعداً حقاً {إنه يبدأ الخلق ثم يعيده} أي يحييهم ابتداء ثم يميتهم ثم يحييهم وهذا معنى قول مجاهد فإنه قاله يحييه ثم يميته ثم يحييه.
وفي هذه الآية دليل على إمكان الحشر والنشر والمعاد وصحة وقوعه ورد على منكري البعث ووقوعه، لأن القادر على خلق هذه الأجسام المؤلفة والأعضاء المركبة على غير مثال سبق، قادر على إعادتها بعد تفرقها بالموت والبلى، فيركب تلك الأجزاء المتفرقة تركيباً ثانياً ويخلق الإنسان الأول مرةأخرى وكما لم يمتنع تعلق هذه النفس بالبدن في المرة الأولى لم يمتنع تعلقها بالبدن مرة أخرى وإذا ثبت القول بصحة المعاد والبعث بعد الموت كان المقصود منها إيصال الثواب للمطيع والعقاب للعاصي وهو قوله سبحانه وتعالى: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} يعني بالعدل لا ينقص من أجورهم شيئاً {والذين كفروا لهم شراب من حميم} هو ماء حار قد انتهى حره {وعذاب أليم بما كانوا يكفرون}.